علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

501

شرح جمل الزجاجي

فأما الزائدة فإنها لا تزاد عند البصريين إلا بشرطين ، أحدهما : أن يكون الاسم الذي تدخل عليه نكرة . والآخر : أن يكون الكلام نفيا ، نحو : " ما جاءني من أحد " ، أو نهيا ، نحو : " لا تضرب من رجل " ؛ أو استفهاما ، نحو : " هل جاءك من رجل " ؟ وزعم بعض البصريين أن الشرط يجري مجرى النفي والنهي والاستفهام ، نحو : " إن قام من رجل قام عمرو " ، ويكون معنى هذه الزيادة استغراق الجنس أو تأكيد استغراقه . فمثال كونه لاستغراق الجنس : ما جاءني من رجل " ، ألا ترى أنّك إذا قلت " ما جاءني رجل " احتمل الكلام ثلاثة معان : أحدها أن تكون أردت أن تنفي رجلا واحدا ، وكأنّك قلت : " ما جاءني واحد بل أكثر " . والآخر : أن تكون أردت : ما جاءني رجل في نفاذه وقوته بل جاء الضعفاء . والآخر : أن تكون أردت : ما جاءني من جنس الرجال أحد لا ضعيف ولا قويّ ولا واحد ولا أكثر . فإذا أدخلت " من " زال الاحتمال ، وكان المعنى : ما جاءني من جنس الرجال أحد . فهي هنا لاستغراق الجنس . فإذا قلت : ما جاءني من أحد ، كانت " من " هنا لتأكيد استغراق الجنس ، لأنّ " أحدا " يقتضي الاستغراق وإن لم تدخل عليه " من " . وأما أهل الكوفة فلا يشترطون فيها أكثر من دخولها على النكرة ، وأجازوا زيادتها في الواجب ، وحكوا في ذلك : " قد كان من مطر " ، و " قد كان من حديث فخلّ عنّي " ، التقدير عندهم : قد كان مطر ، وقد كان حديث فخلّ عنّي ، وهذا لا حجة لهم فيه ، لاحتمال أن تكون " من " مبعّضة ، ويكون التقدير : قد كان كائن من مطر ، وقد كان كائن من حديث ، فحذف الموصوف ، وأقيمت الصفة مقامه وإن كانت غير مختصة . وقد تقدم في باب النعت أن ذلك يحسن في الكلام مع " من " . وأمّا الأخفش فلم يشترط في زيادتها شيئا ، بل أجاز زيادتها في الواجب وغيره وفي المعارف والنكرات ، فأجاز : " جاءني من زيد " ، واستدل على ذلك بقوله تعالى : يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ( 1 ) . ألا ترى أن المعنى : يغفر لكم ذنوبكم لا بعضها ، لأن ذلك خطاب لمن يؤمن من الكفار ، قال عليه السّلام : " الإيمان يجبّ ما قبله " ( 2 ) . أي : يذهب حكمه ويبطله ،

--> ( 1 ) الأحقاف : 31 . ( 2 ) في النهاية في غريب الحديث والأثر : " إنّ الإسلام يجبّ ما قبله ، والتوبة تجبّ ما قبلها " ، أي : يقطعان ويمحوان ما كان قبلهما من الكفر والمعاصي والذنوب .